نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٣٣٧سيما وهذه الآية الكريمة جاءت في سياق التّنويه والإشادة بموكب الرّسل والأنبياء، وأن ءاخرهم محمد عليه السلام لا يسألهم على تبليغ القرءان أجرا والمعنى: أن هؤلاء الذين ينكرون على الله أن ينزّل وحيا على بشر مخلوق، هم لا يعرفون الله حق المعرفة ولا يدركون صفاته العلية من العلم والقدرة، ومن العدل والرّحمة يخلقه، إذ أنه يخلق ما يشاء ويختار ويقبض من علمه وحكمته على من يشاء من عباده، ويشرّع لخلقه ما من شأنه أن ينتشلهم من حضيض الفوضى والهمجية والتّخلف إلى مراقي الحضارة والتّمدّن والنّظام إن هم ساروا على منهج هداه، والتمسوا بذلك حبّه ورضاه. وهذه المقولة المنكرة التي دلت على استغراق الجنس بالنّكرة في سياق النّفي يأتي الرّدّ الإلاهي عليها بأسلوب الاستفهام الذي يدلّ على التّقرير والإلجاء، يوجهه الرّسول إليهم ثم يجيب عنه للاهتمام بتقرير هذه الحقيقة، ونقض ذاك النّفي بإثبات ما يقرّون بوقوعه فقال تعالى: (قُلْ مَنَ اَنزَلَ الْكِتَابَ الذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِّلنَّاسِ): والإقرار بما تنزّل على أهل الكتاب معروف ومتواتر لدى العرب بدليل قولهم: (لَوَ اَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ) (الأنعام:157). وكون التّوراة فيها هدى ونور للناس -أي الذين كانوا من قوم موسى- قد تقدم ذكره في سورة المائدة بقوله تعالى: (إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ) (المائدة:44).