نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٤٥١

وتشتمل هذه الآية على وصايا أربع تندرج كلها في مراعاة الحقوق المتبادلة بين النّاس وتنظيم قواعد التّعامل معهم. تحقيقا للعدالة الاجتماعية وصونا لحقوق الضّعيف العاجز ومن في مجتمع النّاس أضعف من اليتيم؟؟ وإذا ترك له والده مالا فقد يصبح بذلك عرضة للطامعين، لأن للمال شهوة عارمة في نفوس البشر لا تقلّ إلحاحا وإغراء عن شهوة الجنس، ولذلك نجد في التّعبير القرءاني في كل الشّهوات التي تميل إليها النّفوس يأتي بالنّهي عن القرب منها كما في هذه الآية: (وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ): ولما كان هذا التّحذير الشّديد من قرب مال اليتيم يمنع حق التّصرّف فيه سواء في حفظه أو استثماره، وذلك يوقع الأوصياء على اليتامى في حرج، جاء هذا الاستثناء: (إِلَّا بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ): إلى غاية بلوغ الأشدّ: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ’): أي لا تقربوا ذلك المال إلا بالكيفية التي هي أحسن بما يضمن حفظه وإنماءه إلى غاية بلوغ أولئك الأيتام القوة البدنية والعقلية التي تؤهلهم لحسن التّصرّف في أموالهم بجدارة واستحقاق.

وقد عرف المجتمع الجاهليّ هذا النّوع المسلّط على المستضعفين من الرّجال والنّساء والولدان. ولذلك جاء حشد من الآيات في كل من القرءان المدني والمكيّ توصي باليتيم تربية وتنشئة صالحة لشخصه، وصونا وإنماء لماله.

ز) - الوصية السّابعة: "إيفاء الكيل والميزان"

(وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً اِلَّا وُسْعَهَا): الكيل والوزن وسيلتان للتعامل وتبادل المنافع بين النّاس وهما المعياران اللّذان تمّ تحديدهما عالميا بتقدير وحدة كل منهما مع جزئياتها ومضاعفاتها. وهما أنجع وسيلة للعدل وإيفاء الحق في البيع والشّراء. ولذلك ركّز القرءان على القسط فيهما وتوعّد المطففين بالحساب العسير، وجعل من أصحاب "مدين" وقصّتهم مع رسولهم "شعيب"عليه السلام: جعل من عذابهم عبرة لأولي الألباب.

١٬٩٠٩ / ٦٬٢٠١