نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٤٥٢

والتّطفيف في الكيل والميزان أكل لأموال النّاس بالباطل لا يقلّ خطورة عن أكل مال اليتيم. ويلاحظ أن الله تعالى هنا أمر بالإيفاء، بينما في قصة قوم "شعيب" ينهي عن الإنقاص كقوله تعالى: (وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) (هود: 84). ذلك لأن الإيفاء هو أدلّ على السّماحة والكرم في التّعامل. وأدنى درجة العدل أن لا يكون النّقص، وهو الحق الذي ينبغي أن لا يبخس وقوله: (بِالْقِسْطِ): أي بالعدل، والباء فيه للملابسة كما أن "الإيفاء" يكون بين الطّرفين المتعاملين. (لَا نُكَلِّفُ نَفْساً اِلَّا وُسْعَهَا): تعقيب على الأمر بالإيفاء تستدعيه قاعدة اليسر ورفع الحرج في ما لا يكون بمقدور الإنسان أن يأتي به، لأن الكيل والميزان بدقة بالغة وبأدوات بالغة الحساسية لا يمكن إلا في نفيس كالذّهب وما إليه مما لا يتسامح فيه النّاس. أما المواد المتداولة كالحبوب والخضار فحسب المتعاملين أن يتحريا الإيفاء بما هو متعارف لدى النّاس بحيث يرتاحون أن المكيل أو الموزون مضبوطان بدون زيادة ولا نقصان.

ج) - الوصية الثّامنة: "الأمر بالعدل":

(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى): توالت الوصايا الإلهية: السّابعة والثّامنة والتّاسعة بصيغة الأمر معطوفا بعضها على بعض. والتّناسب بينها واضح جليّ لكونها تتصل بالمعاملات بين النّاس في أقوالهم وأفعالهم وتعهدّاتهم. وهنا جاء الأمر بالعدل في القول بصفة عامّة، ليشمل كلّ ما من شأنه أن ينصف حقا، أو يجلب نفعا ويدفع ضرّا. والنّاس يتعاملون بمنطقهم، لأنه تعبير عما يجول في النّفس من معان تتبلور إلى أعمال في واقع النّاس تأخذ منحى الحق والعدل، أو الجور والظّلم وفق ما استقرّ في نفس الإنسان من نوايا وإيرادات. والتّعليق بأداة الشّرط: (وَإِذَا قُلْتُمْ): فيه إشارة إلى هذا المعنى لأن سكوت الإنسان لا ينبني عليه حكم بعدل أو ظلم والله وحده هو العليم بذات الصّدور.

١٬٩١٠ / ٦٬٢٠١