نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٤٦٢

وفي التّوجّه الأول: يقول صاحب المنار: "وجوّز بعض المفسّرين أن يكون هذا الانتظار بحسب ما في أذهانهم (أي الكفار) لا بحسب الواقع، فإنهم اقترحوا إنزال الملائكة عليهم ورؤية ربهم".(1)

أقول:

وذلك ما رجّحه العلامة السّيد قطب في ظلاله إذ قال: "ولقد ورد في روايات متعددة أن المقصود بقوله تعالى: (يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ): هو أشراط السّاعة وعلاماتها التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل، وعدّوا بذلك أشراطا بعينها. ولكن تأويل الآية على وفق السّنة الجارية أولى. فقد سبق مثله في أول السّورة وهو قوله تعالى: (وَقَالُواْ لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوَ اَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الاَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ) (الأنعام:8). والملاحظ أن السّياق يكرر وهو بصدد الكلام عن الشّريعة والحاكمية ما جاء مثله من قبل وهو بصدد الكلام عن الإيمان والعقيدة، وأن هذا ملحوظ ومقصود".(2)

(يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْساً اِيمَانُهَا لَمْ تَكُنَ امَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً): ءايات الله الملجئة للإيمان الاضطراري الذي لا ينفع صاحبه. قد يراها كل فرد وحده، وذلك عند الغرغرة وهي ما يسمّيه العلماء "السّاعة الصّغرى" إذ ينكشف الغطاء للمحتضر في تلك السّاعة العصيبة لخروج الرّوح فيرى أشياء من عالم الغيب لا يراها الأحياء من حوله، وهم لم تسلب منهم إرادتهم بعدُ. وهذه اللّحظات العصيبة يفصح عنها قوله تعالى في سورة قّ: (وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ). (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ). (وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ). (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (19 - 22).

(1) – المنار ج 08 / ص209.

(2) – ظ ج 8 ص97.

١٬٩٢٠ / ٦٬٢٠١