نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٤٧٦

(وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمُ (): والمناسبة واضحة بين الجملتين: وهو ذلك الامتداد والتواصل بين الحياتين بتعاقب الأجيال في الحياة الدّنيا بحيث يخلف بعضها بعضا إلى ما يشاء الله. ثم يكون المصير المحتوم عند انتهاء الآجال بالنّسبة للأفراد والجماعات حتى قيام السّاعة الكبرى بالنّسبة للكون كله. ولهذه الحقيقة الكونية التي جاءت في ختام هذه السّورة الكريمة ارتباط مكين بحقيقة الألوهية والرّبوبية التي عالجتها السّورة بإسهاب. فالله الخالق المدبّر والمتفرّد بالوحدانية في الوهيته وربوبيته كما أقرته الآية: (قُلَ اَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ): هو الذي قضى بحكمته استخلاف هذا الإنسان في الأرض وركّب فيه من غرائز حبّ البقاء ما يدفعه للمجاهدة والمثابرة متنافسا مع بني جنسه، وقد تفاوتت درجاتهم في القدرات والحظوظ. وعلّل الله ذلك بالابتلاء ليميز الله الخبيث من الطّيب، فيظهر النّاس في عالم الواقع. كلّ على ميزته وفق اختياره الحرّ. لأن الله تعالى يعلم مراتب النّاس كما قدّرها في علمه الأزليّ.

وقد تكرّرت حكمة هذا الاستخلاف للإنسان، في كثير من ءاي القرءان. لتركيز تلك الحقيقة الكونية في الحياة والإنسان، ولبيان القاعدة الاجتماعية التي تنتظم حياة النّاس وهم يتدافعون ويتنافسون. منها قوله تعالى في سورة الكهف.

أ) - (اِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمُ (أَيُّهُمُ (أَحْسَنُ عَمَلاً) (7).

ب) - وقال في سورة الزّخرف: (اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (32).

١٬٩٣٤ / ٦٬٢٠١