نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥تتصدّى هذه الحجة لإبطال معتقدهم الباطل بأنهم شعب الله المختار، وأنهم ينفردون برحمة الله ورضوانه إذا هم تمسّكوا بالتوراة، كما حكى الله عنهم في ما يلحق من الآيات: (وَقَالُواْ لَنْ يَّدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا اَوْ نَصَارَى) وقولهم: (نَحْنُ أَبْنَآءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) (المائدة:)، فهذا المعتقد الباطل كان معلوما لديهم، وجاء التعبير بالدار الآخرة مطلقا، ولكن السياق والإخبار بقوله: (لَكُمْ) يشعران بأن المراد من الدار الآخرة نعيمها -أي الجنة-، ولإبطال هذه الدعوى أمر الله نبيه أن يحيلهم إلى الكشف عن حقيقة معتقدهم ببيان ثقتهم بحسن المصير، أو بشكّهم في ذلك. وأن يكون معيار صدقهم في ذلك أو شكّهم هو تمنّي الموت أو عدمه، لأنه هو الباب الذي يدخلون منه إلى ذلك النعيم المرتقب الذي يزعمون أنه خالص لهم من دون الناس، إذ لا يُعقل أن يختار الإنسان الشقاء الدنيوي على السعادة والنعيم المضمون.
وكراهة الموت من الأحياء أمر طبيعي، غير أن الذي يجعله محلّ التمنّي عند المؤمن هو معتقده الصادق بأن الموت هو المدخل إلى نعيم الجنات، كما كان عليه أصحاب رسول الله، وهم يطلبون الاستشهاد، بل يتسابقون إليه. فأنّى لليهود أن يرتفعوا إلى ذلك المستوى. ولذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن المراد: «ادعوا بالموت على أيّ الفريقين أكذب منا ومنكم-أي على وجه المباهلة-»، واختار ذلك كثير من المفسّرين. وعلى أي الاحتمالين فإن اليهود لا يتمنون الموت أبدا، وعلة ذلك أنهم يعلمون أنهم ظالمون بما كسبت أيديهم من الذنوب والآثام، والتي لا تخفى على الله وهو يعلم أنهم جائرون في هذا الحكم.