نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢١وبما أنّ حقيقة الرّبوبية المطلقة لله هي المحكّ الذي يميّز بين التّوحيد الخالص في التصوّر الإسلامي وبين ما درج عليه كثيرٌ من البشر من الكفر والإشراك بالله في واقع هذه الحياة الدّنيا، فإنّ وصف الملك أو المالك في القراءة الثانية، وما يفيده كلّ وصف منهما من القوّة والسّيطرة، أو الملكية والتصرّف، هو الوصف المناسب للإله يوم تنتفي كلّ عبودية لغير الله، وينعدم كلّ ما كان يدّعيه البشر ويقرّون به من أنواع الملك في الحياة الدنيا، يوم ينكشف الغطاء للخلائق فتتجلّى الحقيقة الوجودية فيدركون أنّ كلّ شيء ما خلا الله باطل، وأن الملك الحقيقي لله الواحد القهّار، يوم يُسأل في هول المحشر: (لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ)، فلا يجرؤ أحد على الادعاء والاستعلاء، فيدوّي الكون كلّه مقرّاً ذليلاً خاضعاً معترفاً بسلطان الخالق العظيم، وهو يجيب: (للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ)، ومع سلطان الملك والقوّة والعدل والإنصاف، فلا ظلم ولا هضم ولا محسوبية ولا امتياز: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (غافر: 17).
وبعد تلك الدّينونة المطلقة لله تعالى وتقديم الولاء له، يتعهّد العبد المؤمن، وهو لا ينفكّ عن الجماعة في إطار المسؤولية التّضامنية لتحمّل الأمانة، فتتعهّد أن تخصّ الله بالعبادة، ولا تستعين إلاّ به، وهو الفرد الصّمد، بيده خزائن الملك ومفاتيح الغيب.
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): فمحدودية الإنسان في قدراته و ضعفه الطبيعي، وهو يواجه تحدّيات شتّى على ظهر هذا الكوكب، تحدّيات من نوازع نفسه و من وساوس الشياطين، و تحدّيات من بني جنسه في صراع البقاء، وتحدّيات من قوى الطبيعة التي من حوله.