نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ١٩٠لقد ثمّ الإنقاذ لبني إسرائيل: وهاهم يشاهدون مصرع عدوّهم وزوال ملكه، وعايشوا مرة أخرى معجزة موسى في عصاه وهي تضرب البحر فينفلق ويجعل الله حواجز للماء حيث يجتاز موسى وقومه ءامنين إلى الشّاطيء الآخر، ثم ينطبق الموج على فرعون وجنوده، كما وردت تفاصيل ذلك في سور أخرى. إنها يد الله الحانية: ﴿وَجَاوَزْنَا﴾: وإنه اليقين والثّبات والثّقة في قدرة الله من طرف موسى حين اضطرب قومه لملاحقة فرعون إياهم فقالوا له كما حكى الله عنهم في سورة الشّعراء: ﴿فَلَمَّا تَرَآءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. ﴿قَالَ كَلَّآ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (61 - 62). وما تزال في قوم قابلية للنكوص إلى ما ألفوه من جهل ووثنية، فبمجرّد أن مرّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم تحرّك في نفوسهم الحنين إلى المعبودات التي ألفوها، ولم تكن فكرة التّوحيد قد تغلغلت في نفوسهم على ما بذله موسى من جهد مضن في إنقاذهم من أرجاس الشّرك. وهذه الحادثة تجسّد خطر العدوى والمحاكاة في الطّبيعية البشرية وتبيّن مدى تأثّرها بواقع البيئة، وتحكي الرّوايات أن هؤلاء هم الكنعانيون الذين يعرفون عند العرب "بالعمالقة" وأصنامهم في ما قيل كانت على صور البقر ويسمونها "بعل" وهذا النّوع من التّماثيل قد أثار فيهم الحنين إلى المعبود الذي كانوا يعبدونه مع المصريين وهو على صورة عجل ويسمونه "أبيس" وهو ما يفسّر اختيار السّامريّ لصورة العجل حين أضلّهم في غياب موسى كما سيأتي. وقد هاموا في تقديسه وحبّه كما قال تعالى عنهم: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة:93).