نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠والسّحر وتعاطيه تعلّماً أو تعليماً هو من الواقع التّاريخي للبشر منذ عصور سحيقة، وتأثيراته المعنويّة والحسّيّة ممّا هو معروف عند النّاس قديماً وحديثاً، ولا يملك العلم حتّى اليوم أن يفسّر تلك الخصائص التي يملكها بعض النّاس في هذا المجال، وللعرب ممارسات في هذا المجال كبقيّة البشر، ولهم فيه خيال واسع ومادّة تعبير في قصصهم وأشعارهم، وجاء ذكر السّحر في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، سيما في قصص موسى وفرعون، وقد وصفه بأنّه تخييل فقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: (قَالَ بَلَ اَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ، أَنَّهَا تَسْعَى) (طه:66)، وقال: (سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) (الأعراف: 116)، وحكم الله بنفي الفلاح عن السّاحر فقال: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) … (طه:69)، وعندما وفّق الله سحرة فرعون إلى الإيمان وتوعّدهم فرعون بالقتل والصّلب، أفصحوا في توبتهم إلى الله بأنّهم ارتكبوا خطايا بما أتوا به من السّحر إذ قالوا: (إِنَّآ ءامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (سورة طه:73).،
وممارسة اليهود لأعمال السّحر قديماً وحديثاً أمر مشهور، وقد اختلف العلماء في حقيقة السّحر، وفي بعض أحكامه تبعاً لاختلافهم في تصوّره ما بين إفراطٍ وتفريطٍ، ففي ذكر حقيقته يعجبني ما أورده الشهيد سيّد قطب في ظلاله إذ يقول:
" إنّما الأسلم والأحوط أن يقف العقل الإنساني أمام هذه المجاهيل موقفاً مرناًَ، لا ينفي على الإطلاق، ولا يثبت على الإطلاق، حتّى يتمكّن بوسائله المتاحة له بعد ارتقاء هذه الوسائل من إدراك ما يعجز الآن عن إدراكه، أو يُسلّم بأنّ في الأمر شيئاً فوق طاقته، ويعرف حدوده، ويحسب للمجهول في هذا الكون حسابه".(1)
(1) - سيد قطب، في ظلال القرآن، 1:131.