نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05

الجزء ٧ · صفحة ٢٦٥

بعد أن بيّن الله تعالى كيف أخذ الميثاق العامّ على بني ءادم قاطبة بأن الله تعالى هو ربّهم وخالقهم، ضرب هذا المثل للمكذبين بآيات الله الدّالة على عظمته وقدرته، سواء منها النّاطقة أو الصّامتة، وهم مع ذلك عالمون بها، عارفون لقواعدها وأحكامها، واعون لإرشاداتها وتوجيهاتها، ولكنهم لا يعلمون بمقتضاها لغلبة الهوى عليهم ووسوسة الشّيطان لهم، وشبه الله تعالى هذا النّموذج من العلماء الضّالين، إذ لم ينتفعوا بعلمهم كالحيوان الذي يسلخ عنه جلده. إذ أن المفارقة بين العلم والعمل انفصال معنويّ يسلب صاحبه خير الانتفاع بذلك العلم.

الضّمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾: راجع إلى المشركين المكذّبين ومن ضمنهم بنو إسرائيل، ويبدو أن الممثل به في القصّة معلوم لدى المخاطبين، وذلك ما يفيده الاسم الموصول المفرد، والنّصّ لم يوضّح اسمه ولا جنسه ولا معتقده لأن ذلك لا يعني موضوع الاتعاظ والاعتبار وقد استفاضت الرّوايات النّقلية منها ما تقول إنه من علماء بني إسرائيل، ومنها ما يقول: إنه من حكماء العرب. ولم يرد في ذلك خبر صحيح يعتمد عليه. وبالتّالي فإن العبرة بما يوحيه النّصّ من عبرة وموعظة لمن يتلو هذا القرءان سواء في فترة نزوله أو بعد ذلك إلى ما يشاء الله في هذا الزّمن الممتدّ. والعبرة تتمثل في ذلك النّموذج البشري الذي لا يخلو منه زمان زلا مكان، ممن ءاتاه الله العلم والحكمة فتخلّى عن الانتفاع بهما في عمله وسلوكه إتباعا للهوى وإيثارا للمنافع العاجلة.

وسواء اعتبرنا هذا من قبيل الواقع التّاريخي المشخص أو التّمثيل التّصويريّ البليغ، والاحتمالان واردان في كتب التّفسير، وأيّا كان الاحتمال فإنه مثل رائع حتى مناسب لذلك النّموذج من البشر -وما أكثرهم في هذا الزّمان النّكد … ! - مثل له إيحاءات وإيقاعات تحرّك الوجدان وتهزّ الخواطر وتبعث على التّأمّل والتّنظير.

٢٬٢٠٩ / ٦٬٢٠١