نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٧التّفريع بإنزال السّكينة على قلب الرّسول وبإنزال جنود من الملائكة يدلّ على ما تمّ لرسول الله في ذلك الموقف الرّهيب من تأييد الله له روحيا ومادّيا، فكانت منه تلك الكلمات المطمئنة لصاحبه، وهو واثق بحفظ الله ورعايته، ولا حاجة لترتيب ذلك التّفريع على أبي بكر، كما ذهب إليه بعض المفسّرين، بدعوى أن الرّسول كان تامّ السّكينة من أول دخوله في الغار. يقول الإمام ابن عاشور في ترجيح هذا المعنى: "وليس يلزم أن يكون نزول السّكينة عقب قوله: (لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا)، بل إنّ قوله ذلك هو من آثار سكينة الله التي أنزلت عليه، وتلك السّكينة هي مظهر من مظاهر نصر الله إياه، فيكون تقدير الكلام: فقد نصره الله، فأنزل السّكينة عليه وأيّده بجنود حين أخرجه الذين كفروا، وحين كان في الغار، وحين قال لصاحبه: (لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا). فتلك الظّروف الثّلاثة متعلقة بفعل: (نَصَرَهُ) على التّرتيب المتقدم".(1)
ومن نتائج ذلك التّأييد الرّبّاني علوّ كلمة الله بالتّوحيد ودحر الشّرك والكفر، فالكلمة تطلق على الأمر والشّأن، فإنّ الله تعالى قد قلب أوضاع الواقع الذي يغرّ النّاس، فجعل من قوة الكفر وكبريائه حِطّة ومهانة، ومن ضعف الإيمان واستخفائه ظهورا وقوة واستعلاء، لأن الله عزيز لا يغلبه شيء، حكيم لا تبدو له البداوات.
(انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير، 10/ 203 - 204.