نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٢٤

ولما كانت مزاعم المنافقين كذبا وتلفيقا للأعذار، فإن واقعهم العملي يفتضحهم، لأنّ العازم على السّفر البعيد والمستعدّ للغزو لا بدّ وأن يهيئ ما يحتاج إليه من المركوب والسلاح والمؤن، ولكن هؤلاء لم يفعلوا ذلك من قبل، فدلّ على انتفاء إرادتهم الخروج أصلا، مع استطاعتهم لذلك لو أنهم أرادوه، ثم أكّد الله انتفاء ذلك منهم بالاستدراك الذي يدلّ على إثبات القعود والتّخلّف إذ قال: (وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ).

والله يعلم ما في قلوبهم من خذلان ونفور، فكره خروجهم مع المؤمنين، لما سيذكره من الأضرار والأخطار، فقذف في قلوبهم المخاوف والعوائق، وكان من أثر ذلك قعودهم المهين، إذ لا يْعدون أن يكونوا مثل النّساء والأطفال والزمنى، ويعتبر ذلك معرّة وسبّة عند الرّجال والأبطال، وهذه الصّفة اعتبرها البلغاء من أقدح الهجاء من طرف الحطيئة عندما قال للزبرقان بن بدر:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي

والأرجح في "قِيلَ" أنه أمر قدريّ تكويني، فهو تمثيل لداعية القعود لا أمر خطابيّ.

ثم بيّن الله تعالى الحكمة من تثبيطهم وترجيح قعودهم بأن ذلك في مصلحة المسلمين، حتى لا يضرّوا بهم بالخذلان وتثبيط العزائم فقال: (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمُ إِلاَّ خَبَالاً وَلَأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).

٢٬٢٥٠ / ٦٬٢٠١