نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٧٥ولكن الله الذي يعلم ما في الصّدور أنزل هذه الآية ليردّ عن طعون المنافقين ويتهّددهم بالعذاب الأليم، وليبيّن أن الملموزين هم مؤمنون متطوعون قد بذلوا ما في وسعهم بنية خالصة، وذلك كاف عند الله، إذ ليس متعلق القبول عنده هو الكثير أو القليل مما يتصدق به، وإنما هو النّية والمقصد النّبيل: (لَنْ يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِنْ يَّنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) (الحج:37).
وشأن المنافقين أن لا يسلم من ألسنتهم أحد مهما يكن قدره ومنزلته، كما لا يرتضون أعمال غيرهم ولو كانت من أعمال البرّ والخير. وهم بالأمس قد لمزوا رسول الله في تقسيم الصّدقات وهو من هو في صدقه وعدله عليه السلام، وهاهم يجدون وسيلة إلى الطّعن في المؤمنين المتطوّعين لأداء تلك الصّدقات، وصفة "المطوّعين" تشمل المكثرين والمقلّين، وعطف عليهم قوله تعالى: (وَالذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) للاهتمام بشان هؤلاء أكثر، لأن السّخرية منهم كانت أشدّ ويتضمّن التّعبير أعذارهم، إذ لم يبخلوا بما يملكون، ويقول قطب الأئمة -رحمه الله-: (وَالذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) عطف على (الْمُطَّوِّعِينَ) عطف خاصّ على عامّ، لأن المطوّعين شامل للذين لا يجدون إلا جهدهم، لا على المؤمنين، لئلا يوهم أن الذين لا يجدون إلا جهدهم ليسوا من المؤمنين".
وبما أن المنافقين لا يتجاوزون بنظرهم ظواهر الأشياء، وهم يحكمون على النّاس بما ترشح به قلوبهم من الغش وسوء النّية، فلا المكثرون حازوا رضاهم، ولا المقلّون. فيتأوّلون كل تصرّف وفق هواهم، وسلاحهم في ذلك السّخرية والاستهزاء تحقيرا من شأن أولئك المقلّين، وكان جزاؤهم عند الله من جنس العمل، بأن أهانهم واحتقرهم فعادت تلك السّخرية عليهم. والتّعبير: (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ) من باب التّمثيل والمشاكلة، ولهم عذاب أليم في الجزاء الأخرويّ.