نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٩٠يقول صاحب المنار: "والحكمة في القراءتين على اختلاف معاني الصّيغتين بيان اختلاف أحوال أولئك الأعراب في أعذارهم، فمنهم من له عذر صحيح هو موقن به، ومنهم من له عذر ضعيف هو في شكّ منه إن نوقش فيه عجز عن إثباته، ومنهم له عذر صوريّ لا حقيقي، وهو يوهم أنه حقيقي عالما بأنه مخادع، ومنهم من لا عذر له في الواقع فهو كاذب في انتحاله".(1)
فهؤلاء على اختلاف أعذارهم هم أقلّ جرما من أولئك الذين قعدوا عن الاعتذار وتخلّفوا عن رسول الله، لأنّ المعتذر -وإن لم يكن صادقا- فقد يبعد اللّوم عن نفسه بظاهر أمره وحسن قوله، ولو أن الله تعالى يخبر نبيّه بحقيقة أمرهم، قال الإمام الرّازي: "ومن المفسّرين من قال: المعذّرون كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعدهم: (وَقَعَدَ الذِينَ كَذَبُواْ اللهَ وَرَسُولَه)، فلمّا ميّزهم عن الكاذبين دلّ ذلك على أنهم ليسوا بكاذبين".(2)
قلت: ويجوز في كلمة "المعذّرين" أنها تشمل الصّادقين والكاذبين، وكلا الصّنفين معلوم عند الله، فينصبّ العذاب على الكاذبين منهم لأن الكذب على الله ورسوله كفر. وكذبهم على الله إمّا في أصل الإيمان أو في وعدهم بالتّأييد والنّصر، ثم قعدوا دون اعتذار، ولكن هناك فريق من النّاس لا يشملهم ذلك التّنصيف وبالتّالي لا يشملهم الوعيد والتّهديد إذ قال تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ اِذَا نَصَحُواْ للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
هذا الحكم برفع الحرج عن المذكورين في الآية نشأ عن التّهويل السّابق لمن ينتحل الأعذار وما وجّه من الوعيد للمتخلفين. فبيّن الله تعالى الأصناف الذين يقبل عذرهم وهم: