نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ١٤٧إنه التّأنيب اللّطيف للمتخلفين عن رسول الله من أهل المدينة، إذ لا ينبغي ولا يصلح بهؤلاء أن يكون منهم أيّ تخلّف أي يثبت عنهم أيّ تقصير رغبة في سلامة أنفسهم وإيثارا لها عن نفس رسول الله وهو يواجه المتاعب والمشاق بأن يتركوه يكابد ذلك وحده، ونفس رسول الله أعزّ وأكرم على النّاس، وكذلك يجب أن تكون في نفس كلّ مؤمن.
واختيار هذه الصّيغة الخبرية: (ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً اِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ اِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
الإشارة بـ"ذلك" إلى ما دلّ عليه النّفي من النّهي عن التّخلّف، ووجوب الإتباع لرسول الله، و"الباء" في: "بِأَنَّهُمْ" تفيد السّببية بذكر أمور خمسة مما يصيبهم في ذلك السّفر من أنواع المشقات والمتاعب، وأن الله تعالى يوجب لهم بها الثّواب العظيم. فقال:
أ) - (لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ): وهو شدّة العطش، سيما في قطع الفيافي التي يندر فيها الماء.
ب) - (وَلاَ نَصَبٌ): وهو الإعياء والتّعب لبعد الشّقة.
ج) - (وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ): وهي المجاعة لقلّة المؤونة، حتى قيل إن العشرة من المجاهدين كانوا يتعاقبون البعير الواحد، ويقسم الاثنان منهم الثّمرة الواحدة، وينحرون البعير ليعتصروا الفرث الذي في كرشه فيبلوّن به ألسنتهم.
د) - (وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ): أسند الوطء إليهم لأن أغلب من في الجيش هم من المشاة الرّاجلين، وفيهم الفرسان، ومعهم الرّواحل فيكون الدّوس بحوافر الخيل وأخفاف الإبل، وكلها أنواع من الوطء يستفزّ العدوّ ويغضبه، لما في ذلك من الإهانة له. واختير للمغيظين وصف الكفّار لأن الغائضين لهم هم المؤمنون، وينمّ ذلك عن شرعية ذلك الجهاد، وأنه في سبيل الله.