نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠لقد كان لدعاوى أهل الكتاب وإلقاء الشّبهات هامش كبير من المناورة والتّشكيك في صفوف المسلمين، وهي تقوم بدور ما نسمّيه "المخابرات" في هذا العصر، فكان لزاماً على المسلمين أن ينتبهوا لذلك، وهم يقيمون كيانهم ويؤسّسون دولتهم على إيقاعات الوحي المنزّل من الله وعلى منهجه القويم، وقد نبّه الله في هذه الآيات إلى "إيديولوجية" اليهود والنّصارى، وهي قائمة على الغرور بما عندهم، وعلى الاستخفاف بما في أيدي الغير، مفتاتين على الله، مغالين في أمانيهم، محرّفين الكلم عن مواضعه، فقال تعالى: (وَقَالُواْ لَنْ يَّدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا اَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمُ، إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ):
الجملة معطوفة على قوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ)، والضّمير يعود عليهم، وهم اليهود والنّصارى بقرينة ما بعده في قوله: (إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا اَوْ نَصَارَى)، ومقول القول جاء مجموعاً، لما اشترك فيه الفريقان من القول، و"أو" لتقسيم القولين، وهي ليست من المقول المحكي، فيكون المعنى قالت اليهود: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلاّ من كان نصارى.
وذلك هو واقعهم التاريخي، إذ كان كلّ فريق منهم يعتقد النجاة لنفسه وحده، ولا يشكّ في ضلال غيره، وذلك معتقدهم إلى اليوم، ولا يتنافى ذلك أن يكون سبب نزول الآية كما قيل: أن وفد نجوان -وهم نصارى- لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدّين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدّين، فكفروا بموسى والتوراة. فأنزل الله تعالى هذه الآية.