نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٤١قلت: ولا ينافي سبب النزول في ما قاله أولئك لحضرة الرسول أن يسقط هذا الحكم على أخلافهم، لأنهم على آثار أسلافهم مقتدون، وبما أن هذا الادعاء من الفريقين ليس له سند صحيح من كتبهم فقد جاء الردّ الإلهي بأن ذلك من أمانيهم الكاذبة التي لا تستند إلى دليل.
ثم أمر الله رسوله بأن يتحداهم بإتيان الدليل على قولتهم تلك إن كانوا صادقين فيها على ما يعتقدون وأنّى لهم أن يأتوا بذلك الدليل وهم درجوا على تقليد آبائهم، وجيء بـ"إن" للتشكيك في صدقهم، غير أن عجزهم عن الإتيان بالبرهان هو دليل قاطع على عدم صدقهم وقد قال البوصيري:
والدعاوى ما لم يقم عليها … دليل أصحابها أدعياء.
وبعد هذا الاستدراج يقرّر الله تعالى ما يكون القاعدة في إقامة العدل الإلهي في ترتيب الجزاء على العمل وحده بدون محاباة ولا محسوبية فقال تعالى: (بَلَى مَنَ اَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ، أَجْرُهُ، عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ):
أبطل الله دعواهم بـ:"بلى" وهي تفيد الجواب لإثبات نفي سابق -أي إثبات نقيض النفي وهو دخولهم الجنّة وحدهم-، ثم بيّن الله تعالى أن الجنة ليست حكرا على أحد، بل يستحقها كل من خضع لله وانقاد له بالطاعة، وهو مخلص في عمله، فالإخلاص لله وإفراده بالطاعة هو ملاك العبادة ومناط القبول والأجر عند الله.
وقد جرى أسلوب القرآن على إقران الإيمان بالعمل الصالح، ولكن هنا قيد التوحيد الخالص لله بالإحسان ليفيد معنى زائدا عن العمل الصالح وهو الإخلاص والتقى، ثم رتب على ذلك استحقاق الأجر والكرامة عند الله، وهي "عندية" علم وعهد وتشريف، ومع إثبات الأجر نفى عنهم الخوف والحزن عند الفزع الأكبر، إذ يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله.