نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ١٩٦

ولا فائدة من محاولة بعض المفسّرين في تحديد تلك الفترة التي تميّزت بالوحدة الاعتقادية عند البشر: أهي فترة آدم ونوح خاصّة؟ أم هي فترات كل الرّسل عندما ينتصرون، ثم تتعاقب الأجيال بعدهم فينشأ الخلاف باتباع الأهواء والأباطيل؟، لأن هذه الظّاهرة لدى التّجمّعات البشرية كلما كثرت واتسع عمرانها، إذ تقع في الغثائية كلما طال عليها الأمد وتشعّبت المسالك.

وللتخويف من عواقب الاختلاف جاء التّهديد بقوله تعالى: (وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُون)، وأقبح الاختلاف وأفظعه هو ما يكون في كتاب الله بين أتباعه، حين يصبح مجالا للشقاق والصّراع، وهو المنزل من عند الله للإخاء والوحدة، فلولا حكمة الله تعالى في إمهال الفصل بين عباده إلى يوم الجزاء لعجّل لهم العذاب، فيستأصل المبطلين، وينصر المحقين. وقد تكرّر ذكر هذه الظّاهرة الاجتماعية مقرونة بالوعيد على الاختلاف بتفصيل أكثر في سورتي البقرة وهود عليه السلام وفي سور أخرى بإيجاز.

ثم يعود النّصّ إلى الحديث عن المشركين وتحدياتهم فيقول: (وَيَقُولُونَ لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلِ اِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ).

هذه هي الشّبهة الرّابعة للمشركين تندرج في إنكارهم للنبوءة أن تكون لبشر مثلهم، وشكّهم في القرآن أن يكون منزلا من عند الله، والضّمير في قولهم: (عَلَيْهِ) عائد للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم من السّياق. وصيغة المضارع في: (يَقُولُونَ) تدلّ على التّجدّد والتّكرار، فهم لا يفتأون يكرّرون ذلك في مجامعهم للإدمان على الكفر، أو هم يكرّرون ذلك على المسلمين طمعا في ردّتهم. وطلب الآية من الرّبّ أي آية كونية خارقة للعادة تكون علامة على صدق الرّسول كما كان ذلك للرسل من قبله.

٢٬٤٢٢ / ٦٬٢٠١