نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢١٧وبعد الأمر بالمكث في أماكنهم أعقبه بالتّفريق بينهم: (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ)، وذلك لقطع الصّلة بين الفريقين، وتفكيك الشّراكة دليل على الإفلاس وما يعقبه من التّلاحي والتّخاصم بين الشّركاء. وهو ما حدث بالفعل، إذ جحد الشّركاء ما كان -وهي كل المعبودات بالباطل- ما كان من عبادة الكفار لها: (مَّا كُنتُمُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)، وفي هذا النفي لأية عبادة لها من طرف الكفار في الدّنيا هو نفي لواقع ثابت، فهل يعدّ ذلك كذبا؟، وكيف خلق الله الكلام فيها؟.
للمفسّرين تأويلات أمعن بعضها في الغرابة، وذلك قياسا إلى المألوف الدّنيوي، غير أنّ أحوال الآخرة تجري على قدرة الله، وهو قادر على أن ينطق كل شيء، كما أثبت ذلك في شهادة أعضاء الإنسان عليه في موقف الحساب إذ تجيب أصحابها على إنكارهم لشهادتها عليهم: (لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللهُ الذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) (فصلت:21).
وللإمام ابن عاشور ملحظ دقيق يتفق فيه مع صاحب المنار في توجيه معنى الآية إذ يقول (والنّصّ للإمام ابن عاشور): "والذي ظهر لي أن يكون آخر كلام الأصنام مبّينا لما أجمله أولّه، بأنهم نفوا أن يكونوا عبدوهم عبادة كاملة، وهي العبادة التي يقصد منها العابد امتثال أمر المعبود وإرضاءه، فتقتضي أن يكون المعبود عالما وآمرا بتلك العبادة، ولما كانت الأصنام غير عالمين ولا آمرين استقام نفيهم أن يكون عبدتهم قد عبدوهم تلك العبادة، وإنمّا عبدوا غيرهم ممّن أمروهم بالعبادة وهم الشّياطين ولذلك قالوا: (إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ)، كما تفسّره الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (أَهَؤُلآَءِ اِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّومِنُونَ) (سبأ:40 - 41)."(1)
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 11/ 152.