نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٣٠أي على فرضية زعم المشركين أنّ محمدا افترى هذا القرآن، وقد قدّم الله تعالى على هذه الفرضية المزعومة من أوصاف القرآن ما يقتضي إبطال تلك الفرضية تشريفا وتعظيما له، ثم هو في تحدّ كبير يأمر الرّسول أن يجيب عن دعوى الافتراء بتعجيزهم، وذلك بأن يأتوا بسورة من مثل القرآن، ولو ما يشابه أقصر سورة منه في المبنى والمعنى، وأن يستعينوا في ذلك بمن يستطيعون من أعوانهم من الجنّ والإنس. وقد ورد مثل هذا التّحدّي والتّعجيز للخلق أجمعين في سور مختلفة، وعلى مراتب تناسب السّياق الذي وردت فيه، فتحدّى الجن والإنس أن يأتوا بمثله كما قال في سورة الإسراء: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (88).
وتحدّى بعشر سور كما سيأتي في سورة هود: (قُلْ فَاتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) (13).
وتحدّى بسورة واحدة كما في سورة البقرة وكما هذه السّورة الكريمة، مع إدخال "من" في سورة البقرة وحذفها في سورة يونس، يقول الإمام الرّازي في الفرق بين التّعبيرين ما ملخصّه: "إضافة "من" يعني: فليأت إنسان يساوي محمدا عليه السلام في عدم التّتلمذ وعدم مطالعة الكتب والاشتغال بالعلوم، فهذا لا يدلّ على معجزة السّورة في نفسها، وإنما يدلّ على أن ظهور مثل تلك السّورة من مثل محمد في أميته هو المعجز. أما في هذه الآية من سورة يونس فقد بيّن الله تعالى أن الإتيان بمثل تلك السّورة في نفسه معجز، وإن تتلمذ الخلق وتعلمّوا".
وقوله: (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ): أيْ في كون الرّسول قد افترى، لأنه إذا أمكن له ذلك -وهو مستحيل- فإنه تمكنكم معارضته لأنكم سواء في اللّغة العربية.