نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٣١ثم أوضح الله بواعث تكذيبهم فقال جلّ من قائل: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ’ كَذَلِكَ كَذَّبَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ).
إضراب عن ذلك الجدل العقيم، ثم تقرير أن المشركين في تكذيبهم للقرآن، لا يعتمدون على إعمال الفكر والتّدبّر في معانيه والإحاطة بعلومه وأحكامه، بل هم معرضون عنه بداية استكبارا وعنادا، والإنسان بطبعه عدوّ لما جهل، وكان الحقّ والإنصاف أن يدقّقوا النّظر ويمعنوا الفكر في تدبّر معانيه لا الاعتماد على الهوى والظّن، لأن الظّن لا يغني من الحق شيئا.
وللمبالغة في تجهيل هؤلاء زاد قوله: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُه)، أي من قبل الوحي، إذ المتوقع أن يجيء ذلك التّأويل في وقته المناسب فيتبيّن من خلاله أهو صدق أم كذب -كما يدّعون- لأن القرآن يفسّر بعضه بعضا. وتلك هي حكمة تنزيله مقسّطا منجّما. وتعجيلهم بالتّكذيب يعود إلى المكابرة والعناد أولا، ثم إلى التّقليد الأعمى لآبائهم وأجدادهم واعتيادهم في نظرتهم إلى الأمور على ما ألفوه من المشاهد المحسوس فاستعصى عليهم بذلك فهم المغيّبات ومقاصد التّشريع والحكمة في ذكر أخبار الماضين … إلخ. ولو أنهم آمنوا برسول الله وتابعوا مسيرة دعوته لعلموا كل ذلك في إبّانه كما اقتضت حكمة الله، كما قال تعالى في سورة الإسراء: (وَقُرْءَاناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ’ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) (106).