نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٢٦وقوله في جزاء الشّرط: (فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) هو بيان للنّذارة التي تندرج في مهمّة الرّسول الدّعوية، وكونها مما يخاف الرّسول على قومه فيه إشارة ذكية إلى عذاب الاستئصال، مما تفيض فيه القصص المذكورة في السّورة. فتنكير لفظ "يوم" ووصفه بالكبر للتّهويل والتّضخيم، وهو يحتمل أن يكون يوما من عذاب الدّنيا أو من عذاب الآخرة. وإذ كان المخاطبون ينكرون اليوم الآخر، ويعرفون آثار الأمم الخوالي بعد عذاب الاستئصال، فإن ترهيبهم بالعذاب العاجل يكون أوقع في نفوسهم، ولا مانع من جعل اليوم الكبير هو أهوال القيامة كما ذهب إليه أكثر المفسّرين، على اعتبار موضع التّعليل لذلك الخوف في قوله تعالى: (اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وتقديم المجرور على عامله للاهتمام: (اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ)، أي وإن طال الزّمان بأعماركم في الدّنيا حتى ظننتم أنكم قادرون عليها وأنكرتم المصير الأخرويّ. ولذلك يأتي قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لإبطال ذلك الظّن الفاسد منهم، وحيرتهم كيف يعيد الله خلقهم بعد أن يصيروا ترابا. وللدلالة على قدرة لله في الإحياء والإماتة، بدءا وإعادة.
وينتقل النّص إلى أسلوب الغيبة لبيان حال أولئك الذين أمر الرّسول بتبليغهم تلك الدّعوة، وهم يحاولون إخفاء توَليّهم، ظنا منهم أن الله لا يطّلع على خفاياهم فقال جلّ من قائل: (اَلآَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ’ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
تبرز الآية وضعيتين للكفار المعرضين يتستّرون بها ظنا منهم ووهما أن ذلك يخفى على الله:
أ) - (اََلآَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ).
ب) - (أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ).