نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٣٢٧

وثني الصّدور إمالتها، لأن ثني الشّيء هو طيّه بحيث يكون أحد طرفيه ثانيا للآخر، أي إن هؤلاء يستدبرون الرسول عند تلاوة القرآن حتى لا يسمعوه، ذلك إذا فسّرنا اللّفظ على حقيقته، أمّا إذا اعتبرنا التّمثيل فإنّه تعبير عن حالتهم النّفسية في كراهة الرّسول وهو كناية عن نفاقهم بإخفاء ما يضمرونه.

والاستغشاء بالثوب يكون بتغطية رؤوسهم بها، وذلك صورة الاستخفاء المقصود إمعانا في التّولّي والإعراض، وقياسا منهم لصفات الله على صفات النّاس، بأنه -حاشاه تعالى- تلتبس عليه تلك المحاولات من التّخفّي والتّستّر، وذلك هو الخطأ الكبير عند عامّة النّاس ممن تغلب عليهم الجهالة حتى من بعض المسلمين البسطاء، لأنّ الإنسان لصيق بواقعه المشاهد، جليس المألوف والعادة، إذ يتحايل على القانون ويخترق الأنظمة في غفلة عن الوازع السّلطاني، وسهو عن الوازع الإيماني فجاء التّنبيه الإلهي الدّافع لكلّ وهْم، وأن لا فائدة من تلك المحاولات لأنّه تعالى:

أ) - (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).

ب) - (إِنَّهُ’ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

فعلم الله الشّامل تنكشف أمامه كلّ الأشياء ظاهرها وباطنها، فلا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء، بحيث لا يكون منها خفيّ أو معلن عنه، كما درج عليه الإنسان بإدراكه المحدود. وقد بدأ الله بعلمه لما يسّره النّاس وثنّى لما يعلنونه من أعمالهم لدفع ذلك التّوهّم الفاسد لأن العليم بالأسرار لا تخفى عنه الظّواهر.

٢٬٥٥٣ / ٦٬٢٠١