نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٤١(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:97 - 99).
والطّبع البشريّ في مثل تلك الأحوال يلتمس الطّرق التي من شأنها أن تخفف من حدّة التّوتّر بمحاولة إزالة أسبابه، وبالنّسبة لرسول الله في هذا الموقف هو الكفّ عن تبليغ بعض ما يوحى إليه مما فيه استفزاز للمشركين بتسفيه آلهتهم أو إنذارهم بالعذاب إن لم يؤمنوا … إلخ.
وبما أنّ هذا الموقف يستحيل على رسول الله، فإن المقصود من هذا الاستفهام هو تحذيره من ذلك، وإغراؤه وتحريك همّته أكثر في تبليغ الرّسالة وعدم المبالاة بما يقوله المشركون، سيما اقتراحهم أن ينزل عليه كنز من ربه يغنيه ويميّزه عن بقية النّاس تماشيا منهم مع ما ألفه النّاس مع الملوك والأمراء. وكذا طلبهم بمجيء ملك من السّماء يشهد له بصدق الرّسالة.
وجاء نظير هذا المعنى وزيادة في سورة الفرقان، إذ قال تعالى: (وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاَسْوَاقِ لَوْلآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ’ نَذِيراً، اََوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ اَوْ تَكُونُ لَهُ’ جَنَّةٌ يَاكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّّ رَجُلاً مَّسْحُوراً) (الفرقان:7 - 8). أما وقد عصم الله رسوله من التّقصير أو الخيانة في تبليغ الوحي، فقد أكّد مهمتّه التّبليغية بأداة "اِنَّمَا"، وبأنّه نذير لا يملك من أمر هدايتهم شيئا، لأن الله وحده هو الوكيل بأمور عباده والرّقيب على تصرّفاتهم، وجاء هذا التّذييل بصيغة العموم: (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)، يدخل فيه قلوب المكذّبين، وفي ذلك تسلية لرسول الله بأنه تعالى لا يؤاخذه بما ليس من مهمّته، وأنه غير مقصّر في التّبليغ وإن لم يؤمن هؤلاء.