نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٣٤٢

ثم انتقل السّياق إلى بيان إعجاز القرآن الكريم في تحدّي العرب به، فقال تعالى: (اَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).

وقد تقدّم نظير هذا التّحدّي في كلّ من سورة البقرة وسورة يونس. وبتقدير همزة الاستفهام بعد "أم" التي تفيد الإضراب وتكون بمعنى "بل" يكون الاستفهام للإنكار، والضّمير في: (يَقُولُونَ) يرجع للمشركين المكذبين بالقرآن. والافتراء: هو الكذب عن عمد، أي إن محمدا قد افترى هذا القرآن من عند نفسه، فجاءت الإجابة مفحمة لهم بالتّحدّي -وهم فصحاء العرب- أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، ثم وسّع عليهم في التّحديّ أن يستعينوا بمن شاؤوا من نظرائهم في الفصاحة من دون الله، لأن قوله: (مُفْتَرَيَاتٍ) تعني إتيانها من عند أنفسهم لا من الله، لأنّ الرّسول إذا كان قد افترى القرآن كما يزعمون بصفته البشرية، فهم أقدر على الإتيان بمثلها، والقصد بالمماثلة هو مجال الفصاحة والبلاغة لأنهم أهل ذلك. وأما المضمون والمحتوى فأنّى ذلك؟.

أما وقد تحقق عجزهم فلم يبق إلا الإذعان والتّسليم جدلا –بالنّسبة إليهم- بأن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله وذلك ما يفيده قوله تعالى: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لآَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلَ اَنتُم مُّسْلِمُونَ).

وبما أن هذا التّفريع هو على قوله: (وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم)، فإنّ قوله: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ)، يحتمل أنه تتمّة لما أمر به الرّسول من التّحدّي للمشركين بأن يقول لهم: إن لم يستجب لكم من تدعونهم للاستعانة بهم، فأنتم أعجز عن الإتيان بمثله.

والاحتمال الثّاني: أن يكون الخطاب للرسول وأصحابه على اعتبار أنهم كلهم دعاة إلى الله، والمعنى واضح.

٢٬٥٦٨ / ٦٬٢٠١