نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٦٤وافتتحت القصّة بـ"لام" القسم و "قد" لأنّ المخاطبين بها هم في كفرهم غافلون عمّا يحيق بالمنكرين لرسالات الله من الويل والثّبور.
(وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا نُوحاً اِلَى قَوْمِهِ): فهو واحد منهم اختاره الله لتبليغ رسالته، التي تتضمن قوله لهم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، والنّذارة البيّنة هي تهديد العصاة بالعقاب، وأنه بيّن لهم ذلك بالبيان الواضح القويّ. ثم فسّر ذلك الإنذار بقوله: (اَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ)، نهاهم عن عبادة غير الله، لأنهم كما قيل: كانوا أوّل من أشرك بالله واتخذ له أندادا، وأنّ دعوة نوح هي أوّل دعوة لتوحيد الله وعبادته، ثم أكّد دعوته تلك بقوله: (إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ اَلِيمٍ)، أي شديد الألم، وإسناد الألم إلى اليوم مجازيّ للمبالغة، وتنكير لفظ: "عَذَابَ" ليحتمل عذاب الدّنيا بالاستئصال وعذاب الآخرة بالنّار، فهم معذّبون -لا محالة- إن عاجلا أو آجلا، ولحرصه على تبليغ ذلك الإنذار. أكّد قوله: بـ"إن" مع ما في تعبيره من الإشفاق عليهم إن هم بقوا على الكفر، وذلك بقوله: (إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ)، ولكن قومه بادروه بالتّكذيب، وطعنوا في نبوءته بأربع شبهات:
(فَقَالَ الْمَلأُ الذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الذِينَ هُمُ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ):
إن الكبراء وعلية القوم هم الذين يتولّون تلك المواجهة، وإنما جمهور الدّهماء والسّوقة تبعٌ لهم. والرّبط "بالفاء" يدلّ على ردّهم السّريع لنذارة "نوح" فما أشبه موقفهم بموقف سادات قريش من دعوة رسول الله. بل تكرّر نفس الشّبهات ونفس الاتهامات، ذلك لأن الكفر ملّة واحدة، وإن اختلفت الدّهور والعصور ألم يقل كفار قريش.