نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٣٦٩

وتدعيما لصدقه في رسالته أعاد استعطافهم بندائهم: (وَيَا قَوْمِ)، والعطف للنداءات مع تكرارها للتنبيه على اتّصالها بعضها ببعض، وأنّ أحدها لا يغني عن الآخر، فهو إذ لا يطلب منهم مالا على دعوته، إنما يدلّل لهم على مدى صدقه في إسداء النّصح إليهم، وبالتّالي فهو لا يتملّق الأثرياء ليعطوه من أموالهم، ولا يطرد أتباعه ممن آمنوا به لأجل فقرهم، فيسترضي بذلك الأغنياء، وفي ذلك ردّ ضمنيّ لقولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الذِينَ هُمُ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)، فهو وإن استغنى عن أموال قومه، فإنّ أجره هو ثواب الله على حسن قيامه بما كلّفه به من أمانة التّبليغ.

(وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَّنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِن طَرَدتُّهُمُ أَفَلاَ تَذَّكَّرُونَ):

وكشأن الكبراء المتعجرفين، إنهم يستنكفون من الالتقاء والتّجمّع بمن دونهم من الفقراء الأراذل -كما يزعمون- ويظهر من ردّ نوح أنهم طلبوا منه طردهم إن كان يريد من الكبراء أن يؤمنوا فجاء ردّه قويّا على تلك الشّبهة بتأكيد النّفي بـ"الباء"، ثم تعليل ذلك بقوله: (إِنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ) بأنّ هؤلاء هم صائرون إلى الله، هو الذي يجازيهم على إيمانهم، كما يجازي غيرهم، وليس أمر ذلك إليّ، إذ ما عليّ إلا البلاغ، ولكنكم قوم تجهلون معايير التّقييم للناس، فتسفهون على بعضهم وترضون بآخرين وفق هواكم وتصوّركم الفاسد.

ثم كرّر النّداء ليأتي بالاستفهام الإنكاري أن يجد النّصرة من الله إن هو آذاهم بالطّرد، لأنّ ذلك ظلم عظيم لا يرضاه الله، بل يعاقب من اقترفه. ثم أنكر على قومه عدم التّذكّر في العواقب، إذ أنساهم ما هم عليه من التّرف والبطر ميزان العدل والإنصاف لخلق الله.

٢٬٥٩٥ / ٦٬٢٠١