نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٣٧٠

وها هو مرة أخرى يعرض عليهم في معرض تذكيرهم حقيقة شخصه ورسالته، فينفي عن نفسه تلك الامتيازات التي يظنون وجوب توفّرها لمن يكون حقا رسولا من عند الله، وهي كلّها تتصل بالملأ الأعلى، فيقول: (وَلآَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلآَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلآَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلآَ أَقُولُ لِلَذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُّوتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمُ إِنِّيَ إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ).

نفى نوح عن نفسه ثلاثة أمور، فجاءت الجملة الأولى معطوفة دون تكرار: (يَا قَوْمِ)، لأنهّا في المعنى تفصيل لقوله: (وَيَا قَوْمِ لآَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً)، وفي هذه الجمل يردّ نوح على قومه ادّعاءهم بأنهم لم يروا له فضلا عليهم حين ادّعى النّبوءة، فبيّن لهم أن النّبوءة لا تستلزم أن يكون صاحبها فوق البشر فيتصف بما ليس في مقدوره بأن يدّعي أنه يملك التّصرف في خزائن الله مما يكفل لعباده من الأرزاق، ولا أنّه يعلم الغيب فيختار لنفسه وأتباعه ما يريده من النّفع، ولا أنّه ملك يمتاز بروحانيته مما لا يملكه البشر، فإذا انتفت عنه تلك الصّفات، فقد بيّن لهم أن ذلك ليس من موضوع الرّسالة ولا من خصائصها كما يزعمون، وقد جاء نفي تلك الصّفات على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام: (قُلْ لآَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلآَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلآَ أَقُولُ لَكُمُ إِنِّي مَلَكٌ اِن اَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الآَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) (50).

٢٬٥٩٦ / ٦٬٢٠١