نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٣٧٢

بعد دحض نوح لشبهات قومه تأخذ المحاورة معهم شكلا آخر فتفضي إلى التّحدّي بعد طول الجدال معهم في إثبات النّبوءة والتّوحيد، وهو إذ توعدهم بالعذاب على عنادهم، فقد استعجلوه في تحدّ وعناد فقالوا: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).

لقد أفلس القوم من الحجّة في مجال الحوار فضاقوا ذرعا من الدّاعية لكثرة جداله إياهم، فاستعجلوا العذاب، وهم يكذبونه في دعواه بأنّ الله يعذبهم إن هم تمادوا على العصيان، وقد قال لهم: (إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ اَلِيمٍ)، ولكن نوحا عليه السلام يردّ عليهم بالحقيقة التي غفلوا عنها، (قَالَ إِنَّمَا يَاتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ، وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيَ إِنَ اَرَدْتُّ أَنَ اَنصَحَ لَكُمُ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُّغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

أي إن أمر التّعجيل بالعذاب هو لله، وأنّ أمر ذلك هو لله وحده وهو القادر على نقمتهم متى شاء ووفق ما أراد، لا يملكون الانفلات من قبضته وهو لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء، ثم ألمح إليهم بأنّه ليس إلاّ رسول ينصح لهم بما هو خير، وأنّه لا يملك أن ينفع ويؤثر نصحه فيهم إذا اقتضت إرادة الله أن لا يأخذوا بأسباب الهداية فيبقون في الغيّ والضّلال وفق اختيارهم وكسبهم. وليس معنى إغواء الله لهم أن يصدّهم عن الانتفاع بالنّصح مقهورين، وإنما يتمّ ذلك بربط الأسباب بالمسبّبات، لأنه الربّ الحكيم المالك لناصية خلقه، يرجعون إليه للحساب والجزاء.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلِ اِنِ افْتَرَيْتُهُ’ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ):

٢٬٥٩٨ / ٦٬٢٠١