نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٣٩٣

أ) - دعاهم إلى عبادة الله وحده، كما دعا نوح إلى ذلك، ونتساءل هنا: كيف تردّى القوم إلى عبادة الأوثان، وهم سلالة لأولئك الذين نجّاهم الله على سفينة نوح جزاء إيمانهم بدعوته؟، ونجد الإجابة على ذلك في سورة مريم، فبعد قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) (مريم:58). قال بعد ذلك: (فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم:59). ذلك لأن دعوات الرّسل بعد أن يكتب لها النّصر بإنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين، يطرأ الانحراف في الأجيال اللاحقة، ومع طول الأمد تنطمس معالم الحقّ، وتنتكس النّفوس إلى الجاهلية مرة أخرى، وهكذا دواليك. ويفهم من صيغة الدّعوة: (اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّن اِلَهٍ غَيْرُهُ) أنّ القوم لا ينكرون وجود الإله بالمرة، ولكنهم تدرّجوا في الجاهلية بتصورّهم الفاسد، فاتخذوا لله شركاء، وهم كاذبون في ادّعائهم أنهم وسطاء بينهم وبين الله، وبهذا الموقف من قوم هود فقد أصبحوا في عداد من قال الله فيهم من قبل في قصة نوح: (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ اَلِيمٌ) (هود:48). وهم إذ يتهمون هودا بالمنفعية والانتهازية في دعوته فقد بادرهم بنفي ذلك وكرّر نداءه لهم بـ"يا قوم" لاسترعاء اهتمامهم أكثر. واختار إسناد الأجر إلى الاسم الموصول: (الذِي فَطَرَنِيَ) للإشعار بأنّ الخالق هو الرّازق الذي يجب أن يطلب منه الرّفد والعطاء. ولذلك فرّع ذلك الاستفهام الإنكاري: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، للتعجيب من تصوّرهم الفاسد في حق رسولهم.

٢٬٦١٩ / ٦٬٢٠١