نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٣٩٦

لقد بلغ القوم من الإصرار والتّحدّي ما جعل هودا عليه السلام يلتجئ إلى الله بإشهاده عليهم أنه بريء مما يشركون، كما حمّلهم الشّهادة له على ذلك، لتتمّ المفاصلة بينهم، وأنه لا يبالي بإصرارهم ولا بتهديدهم له بإيذاء آلهتهم، فهو شديد الثّقة بربّه، وبأنّه على حقّ في ما يدعوهم إليه، ثم فرّع على تلك البراءة هذا التّحدّي بقوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ)، فأعجب لقوّة هذا الرّسول الكريم، كيف بلغت به قوّة العزيمة إلى ذلك الحدّ من التّحدّي والجراءة على قوم بلغوا في الاشتهار بقوتهم ذلك المبلغ من الاستعلاء والبطش إلى أن قالوا من أشدّ منا قوة؟.

ولم يقتصر على مواجهتهم بغلظة القول وحيدا، بل تجرّأ على طلب المكايدة منهم صراحة، بأن يجمعوا أمرهم وشركاءهم جميعا للكيد به، وأن لا يمهلوه طرفة عين. إنه الإيمان الرّاسخ بربه والثّقة بنصره وتأييده، والاطمئنان إلى قدرته التي لا تنفلت من قبضتها ناصية الدّوابّ كلها وإن كانت في مثل غلظة أولئك القوم وفي مثل قوتهم.

(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ اِلاَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا): وقد تقدم مثل هذا التّحدّي من نوح عليه السلام لقومه بقوله لهم: (فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنَ اََمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اَقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ) (يونس:71) إنهما يستمدّان القوة من ربّ العزة الذي لا يظلم ولا يجور وهو على صراط مستقيم، وهو أهل للتوكّل غيور على حرماته، لا يُسْلِم أولياءه لأدعياء الباطل. وعلى هذه الصّورة النّاصعة تتجلّى حقيقة الألوهية والرّبوبية في نفوس الأنبياء والرّسل، فتنبثق منها تلك الإرادة القوية والعزيمة الصّلبة في مواجهة الباطل وأدعيائه.

٢٬٦٢٢ / ٦٬٢٠١