نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

لقد تنازعت الأمّتان الإسلامية والإسرائيلية فضل الانتماء إلى إبراهيم عليه السلام، وأيّتهما هي على ملّته؟، وعند الفخار بالأمجاد الماضية، تتعاظم الأجيال الحاضرة على بعضها البعض، فتجد المجال فسيحاً للمهاترات والدّعاوى الكاذبة قصد الإساءة إلى الطّرف الآخر، أو التّزكية لحاضر دنيء، وفي كلتا الحالتين، قد تجد الدعاية السّخيفة -حين يُتقن حبكها- تجد سبيلها إلى القلوب الفارغة والنفوس الخاوية من النخوة والإباء، فتنساق وراء كلّ ناعق، وتغترّ بكلّ مغامر، ولكن الحقيقة التاريخية الناصعة تحمل في طيّاتها مقومات الرسوخ والثبات، فتتحدّى عوامل الطّمس والمسخ، ثمّ تبرز ناصعة وهّاجة حين يُقيّض لها الذّيوع والانتشار، على يد الأوفياء من الأشياع والأنصار، ذلك هو الواقع التاريخي بين الأميين المنتمين إلى دوحة إبراهيم الإمام، وقد هداه الله إلى الإيمان، وسخر ممّا كان عليه قومه من عبادة الأوثان، ثمّ انبرى موقناً بنصرة ربّه يضرب في أرض الله يدعو للتوحيد ويرفع لواءه حيثما حلّ وارتحل، لا يبالي بما يجابهه من الأهوال والشّدائد حتّى انتهى بأمر الله إلى مكان البيت ليرفعه من القواعد: (اِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً للهِ حَنَيفاَ وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ، شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اِجْتَبَاهُ وَ هَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النحل: 122.)

نجد في هذا المقطع القرآني الكريم من سورة البقرة عرضاً شيّقاً لتلك المنزلة التي بوّأها الله إبراهيم مع ولده إسماعيل، وقد هداهما الله إلى مكان البيت، وكلّ من الأب والابن قد تحقّقت فيه صفات الإخلاص والوفاء للعقيدة بالإذعان والخضوع لله عندما جلّى معدنهما الصّافي بالبلاء المبين، فجازاهما جزاء المحسنين، وترك عليهما في الآخرِين.

ولم يكن منصب الإمامة ليناله إبراهيم لولا صبره وثباته ويقينه في ربّه، وهو يجتاز ذلك الامتحان العصيب، في أن يتقرّب إلى الله بذبح ولده الحبيب.

٢٦٤ / ٦٬٢٠١