نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

فيا لله لعظمة ذلك القلب الحنون، حين طلب من مولاه أن يجعل إمامة التوحيد كلمة باقية في عقبه، فهو يؤمّن لهم مكان البيت، ويستدرّ رحمة ربّه ليكفل لهم موارد الرّزق لا لمجرّد الضّرورة الحياتية كما يعيش الحيوان، ولكن لتركيز الإيمان والعمل الصالح، لأنّ الجوع والخوف لا تستقيم بهما حياة، ولا يقوم عليهما عمران.

فلنستمع إليه في ابتهالاته الحارة، وهو يقول مرّة: (رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا بَلَدًا - امِنًا وَارْزُقَ اَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَاتِ مَن - امَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ)، ومرّة يقول: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَواةَ فَاجْعَلَ اَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37).

ثمّ تنفذ بصيرته إلى آفاق المستقبل، ويحتاط لكرّ الأيّام واللّيالي حين تتغيّر الأوضاع، فتسوء الأخلاق وتتردّى الطّباع، ويغدو الناس في تيه وضلال، يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم إلى سبيل الهداية والرّشاد، فإذا بخاتمة ابتهالاته ترفّ حبّاً وحناناً، وتفيض لأولاده وأحفاده برّاً وإحساناً: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُ، ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ، إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

وها قد استجاب الله دعوة إبراهيم، ببعثة الرسول الأميّ من ولد إسماعيل، فتتحرّك كوامن الغيرة والحسد في القلوب العمياء، وتعتبر ذلك بالنسبة لها هي الداهية الدّهياء، فما بال النّبوّة تتحوّل عن ولد إسحاق؟، ألم يأخذ الله عنهم العهد والميثاق؟ بلى، ولكن أنّى لهم ذلك وقد خانوا الأمانة، وخاسوا بعهد ربّ العالمين … وهو القائل لإبراهيم: (قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ)، وذلك هو مبعث المفاصلة بين الأمّتين، ولتعلمنّ نبأه بعد حين، فلنأخذ الآن في تفسير النّصّ.

د) - البيان والتّفسير:

٢٦٥ / ٦٬٢٠١