نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07
الجزء ٩ · صفحة ٢٩تعاطفت أحداث القصة في أسلوب الحكاية، فكان هنا مجيء المسافرين المارّين من ذلك المكان. قيل إنهم كانوا من الإسماعيلين العرب، جاؤوا من مدين متجهين إلى مصر، وكان للقوافل روّاد عارفون بمكان الماء، أرسله أصحابه ليستقي لهم. فلما أرسل دلوه إلى قاع البئر تشبّث به يوسف ليخرج من غيابات الجبّ.
ويطوي السّياق ذكر الحالة النّفسية ليوسف وهو في قعر البئر، ومدّة مكثه فيه، وكيفية خروجه منه، لينتقل البيان إلى التّعبير عن ابتهاج الوارد وتبشير أصحابه بالحصول على الغلام. إذ نادى: (يَا بُشْرَاىَ هَذَا غُلاَمٌ): فنداء البشرى نداء مجازيّ لتصوير عنصر المفاجأة في ظهور الغلام. وقد أشار إليه لتنبيه أصحابه إلى ما يمتاز به الغلام من حسن وجمال، لأنهم ما كانوا يرونه عند صعوده. (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً): الضّمير في: (أَسَرُّوهُ): هو للسّيارة على الأرجح لتناسق أجزاء القصّة. ويرى ابن عبّاس أنه لاخوة يوسف -أي هم الذين أسرّوه بضاعة وباعوه إلى التّجار- وعلى الاحتمالين: فإن إخفاء حقيقته عن النّاس واعتباره من جملة البضاعة التي يتاجر بها؛ هو لخشية أن ينكشف أمره لأهل ذلك المكان، فيطالبون به كما هو الشّأن في اللّقطة من وجوب التّعريف بها لمدة عام. وهذا التّصرّف لا أخلاقي في عرف النّاس، ولا ديني في حكم الشّرع. وكذلك يجيء قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ): يجيء في مكانه المناسب ليدلّ على علم الله إطلاعه الشّامل سواء على ما صدر من إخوة يوسف أو من السّيارة، وبالتّالي فهو قادر على تغيير ذلك الواقع، غير أن حكمته اقتضت أن تجري أقداره على تلك الكيفية لما يعقبها من المجد والشّهرة ليوسف، وفي ذلك تسلية لرسول الله عمّا كان يلقاه من كيد قومه ومكرهم.
(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ):