نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦ثم تكرّر النداء طلبا لغرض آخر نشأ عن طلب الهداية للذرية، ببعث رسول منهم يزكّيهم ويعلّمهم، إذ قال: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُ، ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ، إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
الضمير (فِيهِمْ) يعود على الذرية، والمطلوب أن يبعث فيهم رسولا منهم، أي من أنفسهم ينتمي إلى جنسهم، ولا يكون بعثه لهم خاصة، فقوله: (فِيهِمْ) فيه معنى الشمولية لدعوة ذلك الرّسول واستجابة هذه الدّعوة تجلّت في بعثه رسول الله محمد بن عبد الله عليه السلام لقوله:» أنا دعوة أبي إبراهيم «.(1).وقد اجتمعت في شخصه الشريف أواصر النسبية من إبراهيم وإسماعيل، ثمّ بيّن الله المقصد الأسمى من بعثة هذا الرّسول بقوله تعالى:
أ) - (يَتْلُواْ عَلَيْهِمُ، ءَايَاتِكَ): والمقصود بها آيات القرآن تلاوة تذكير وتدبّر، لما فيها من دلائل عقلية دالة على عظمة الله ووحدانيته وصدق رسله، وما فيها من بيان لأحكام الشريعة الغرّاء.
ب) - (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ): ولفظ "الكتاب" يحتمل معاني منها: القرآن الكريم، وذلك بإبراز معانيه، أو أنه مصدر كتب يكتب والمراد ترقية مستوى الأمّة بتعليم الكتابة، ويسند هذا المعنى امتنان الله على الإنسان بتعليمه ما لا يعلم بواسطة القلم والكتابة في أوّل آية نزولا من القرآن، والحكمة تعني معرفة أسرار التشريع ومقاصده العليا، وفي إيتاء الحكمة والتفقه في معرفة أسرار الأشياء الخير الكثير، كما قال تعالى: (وَمَنْ يُّوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة:269).
(1) - رواه الحاكم في المستدرك عن العرباض بن سارية، من حديث طويل 3566، و قال: صحيح الإسناد و لم يخرجاه، 2: 453.