نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07
الجزء ٩ · صفحة ٦٧جيء هنا بالعطف لأنه تكملة لمشهد صاحبي السّجن مع يوسف في تعبيره لرؤياهما. إذ حضر النّاجي من الفتيين –وهو السّاقي- حضر مجلس الملك عندما طلب من رجال حاشيته أن يفسّروا له رؤيا هامّة رءاها ويريد فك رموزها. ولاستحضار حالتها للسامعين عبّر بصيغة المضارع: (إِنِّيَ أَرَى): حتى لكأنها ماثلة أمامهم ليجهدوا أنفسهم في تأويلها، ولكن المخاطبين عجزوا عن ذلك بدعوى أنها من نوع الأحلام المضطربة والمختلطة التي يصعب تأويلها.
وفي إجابتهم هذه نوع من التّهرّب والدّهاء. إما لعجزهم الحقيقي عن تأويل ذلك النّوع من الأحلام، أو لإخفائهم عن الملك ما تنبئ عنه من الشّرّ وسوء المصير. وتتلخص مناظر تلك الرّؤيا في:
أ) - منظر سبع بقرات في غاية الشّبع والسّمنة.
ب) - يأكلهن سبع بقرات أخرى يابسة هزيلة.
ج) - منظر سبع سنبلات زاهية خضراء غلبتها والتوت عليها سبع أخرى يابسات.
ويكون تعبير الرّؤيا بذكر مآلها في الواقع، حتى لكأن المفسّر لها يعبر من المعنى الخيالي المرئي في المنام إلى بيان المراد بها في عالم الواقع بعد فكّ رموزها وألغازها وهذه هي الرّؤيا الثّالثة في قصّة يوسف، وقد مكّنه من حسن تأويلها فجاءت كفلق الصّبح في واقع أصحابها. فكان ذلك معجزة له توافق روح عصره ليمكّنه الله من تدبير شؤون الملك في مصر. وفي جوّ العرض لأحداث رؤيا الملك تذكّر السّاقي وصية يوسف من السّجن بعرض أمره للملك. تذكّر ذلك بعد مدة طويلة قضت حكمة الله أن يقضيها يوسف في السّجن حتى يتمّ له الإعداد الرّوحانيّ الكامل لما ينتظره من المهامّ.
تذكّر السّاقي تلك الوصية فقال للملك ومن معه: (اَنَآ أُنَبِّئُكُم بِتَاوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ): وإسناد الإنباء إليه إسناد مجازيّ لأنه يتمّ بواسطته وليسترعي بذلك انتباه المكل، كيف يقدر هو على ما عجز عنه المقربون من حاشيته. وذلك أدعى لمبادرة الملك في إرساله.