نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07
الجزء ٩ · صفحة ٨٩إنه لمن الحيلة والاستفزاز أن يبادروا أباهم فور رجوعهم إليه بذلك الخبر المحيط: (يَآ أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ): علما بأنهم لم يفتحوا متاعهم بعد. وينفي الخبر في ظن أبيهم محتملا للماضي والمستقبل. وأيّا كان فالكيل ممنوع عنهم ابتداء إلا بالوفاء بما وعدوا به من إحضار أخيهم. ولذلك فرّعوا طلبهم من أبيه أن يرسل معهم أخاهم حتى يمكن أن يرحلوا للاكتيال مرة ثانية. ووعدوه بحفظه حتى يرجع سالما. فكيف كان جواب الأب وهو ما يزال يكابد لوعة فراق ولده يوسف؟؟ لقد أثار الإخوة لو أعج أبيهم وهو يتذكر وعدهم الكاذب في المحافظة على يوسف. إذ كرّروا نفس الجملة: (وَإِنَّا لَهُ’ لَحَافِظُونَ): فجاءت إجابته بصيغة الاستفهام الإنكاريّ: (هَلَ امَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ)؟؟ … فلم يعودوا محلّ ثقته في ما يدّعون. "والمسلم لا يلدغ من جحر مرتين". ولكن ما الحيلة والحاجة ماسّة إلى الطّعام. فإن لم يكن بدّ من إرساله معكم فإن ثقتي في الله وحده فهو خير حافظ له، وهو أرحم الرّاحمين. ويبدو أن الإخوة قد أنسوا بتلك الإجابة بأن أباهم سيرسل معهم أخاهم، فلم يلحّوا في الطّلب. فما علّة تلك الاستجابة الفورية؟؟ … حاول المفسّرون أن يجيبوا على هذا السّؤال. وأحسن ما قيل فيه. أن الأب قد توسّم في أولاده التّعقل والأناة لكبر سنّهم، ثم إن علاقتهم بأخيهم الصّغير: "بنيامين" لم يشبها حقد ولا حسد مثل ما كان بينهم وبين يوسف. ولا ننسى أن الوالد كان نبئا. ولعلّ الله أوحى إليه بأن يضمن عودة الابن بسلامة.