نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07

الجزء ٩ · صفحة ٩٤

(وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنَ اَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ اِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ):

إنها خواطر قلب شديد الصّلة بالله، مطمئن بالتّوكّل عليه؛ غير أنه لا يجافي الطّبيعة البشرية، ولا يهمل سنن الله في خلقه لاتخاذ الأسباب. فهو يخشى على أبنائه –وهم متجمّعون- يخشى من شرّ معنويّ أو ماديّ يصيبهم، وانطوت نفسه على هاجس الخوف من ذلك. فأرشد أبناءه إلى أن يدخلوا إلى المدينة من أبواب متفرقة. تجنبا لأعين الحسّاد، وتضليلا لأعين الرّقباء، جريا على قاعدة: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان". والنّصّ قد لمّح ولم يصرّح بذلك الشّيء الذي كان يخشاه يعقوب على أبنائه، لأنه وهو يوائم بين قضاء الله وقدره، وبين واقع النّاس يريد أن يبرز لأبنائه العنصر العقديّ في القضاء والقدر، حتى يذعنوا إلى حكم الله إن سار الواقع على غير ما يريدون. وفي هذه الوصية أدب رفيع مع الله. مضى الرّكب إلى غايته وقد نفّذوا وصية أبيهم، وهم يدركون تمام الإدراك المعنى الحقيقيّ لتوكّل على الله؛ إذ بيّنه لهم أبوهم قولا وعملا. فهو يكرّر نفي الإغناء عنهم من الله من شيء كرّره في نصّ الوصية، وبعد تنفيذها، وحسب الأب من الحنوّ والشّفقة أن نبهّهم على ما يتوقع من الأخطار لأمثالهم إن دخلوا المدينة مجتمعين. وتلك هي الحاجة التي كانت تلحّ عليه في نفسه.

(وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمُ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ اِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ’ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ):

٢٬٧٩٥ / ٦٬٢٠١