نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07
الجزء ٩ · صفحة ١٤٥قيل إن لفظ الرّجال هنا يراد به الاحتراز عن النّساء وعن أهل البادية، إذ لم يبعث الله امرأة نبئا ولا رسولا من قبل ولا ابتعته من أهل البادية، إذ كانوا أهل جفوة وغلظة كما قال عنهم الله في سورة التّوبة: (الاَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً) (97). وهذا التّوجيه للفظ: "الرّجال" هو ما ذهب إليه أغلب المفسّرين وقيل: بل هو لبيان المماثلة بين من سلّم المشركون برسالتهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم أي أن لفظ الرّجال اسم جنس جامد لا مفهوم له، أطلق لمجرّد ناس، وإلى هذا التّوجّه ذهب الإمام ابن عاشور إذ يقول: "فالقصر إضافيّ –أي لم يكن الرّسل –عليهم السّلام- قبلك ملائكة أو ملوكا من ملوك المدن الكبيرة. فلا دلالة في الآية على نفي إرسال رسول من أهل البادية مثل خالد ابن سنان الحبشي، ويعقوب –عليه السّلام- حين كان ساكنا في البدو كما تقدّم" انتهى.(1)
قلت:
هو ملحظ دقيق. يؤيّده قوله تعالى ردّا على إحدى شبه المنكرين: (وَقَالُواْ لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف:31).
ثم إن موسى عليه السلام كان راعيا لشعيب وقد تنزل عليه الوحي في صحراء "سيناء" ولم يكن قد استقرّ به المقام في مصر.
ثم فرّع الله على تلك الحقيقة التّاريخية قوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الاَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الاَخِرَةِ خَيْرٌ لِلّذِينَ اتَّقَوَاْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ):؟؟ … إنه الوعيد والتّهديد لأولئك المنكرين جاء في صيغة الاستفهام الإنكاريّ أفلم ينظر هؤلاء إلى مصارع الأمم السّابقة ممن كذبّوا برسلهم، فيرون كيف كانت عاقبتهم مثل قوم عاد وثمود. وتلك سنة الله لا تتخلف مع قومك المكذبين.
(1) - التّحرير: ج -ص68.