نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٠زيادة على تشريف رسول الله بحادثة الإسراء، وعلى ذكر ما أكرم الله به موسى من هدي التّوراة، وما سلّطه على بني إسرائيل من عذاب الدّنيا جرّاء مخالفتهم لهدي كتابهم، قفّى الله على ذلك هنا بالثناء على القرآن الكريم، وأبان أهدافه العظيمة من الهداية والبشارة والنّذارة، وأن من طبيعة الإنسان العجلة في الشّر والخير فقال جلّ من قائل: {اِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُومِنِينَ الذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُ أَجْراً كَبِيراً، وَأَنَّ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً اَلِيماً).
التّنويه بشأن القرآن هو تنويه بشأن المنزّل عليه، إذ وصفه الله تعالى بصفات ثلاث، صدّرت بالتّوكيد بـ"إن" بعدها لفظ الإشارة، لأن القرآن حاضر في أذهان السّامعين ليزداد المؤمنون به إيمانا واهتماما بإرشاداته، ويذعن الكافرون إلى صدقه، وقد بدأ الله بأعظم صفاته وأبرزها:
أ) - {اِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتِي هِيَ أَقْوَمُ): والهداية هي أعظم النّعم بعد الخلق والإيجاد، وصفة "أَقْوَمُ" هي لموصوف محذوف بتقدير الطّريق أو الملة، وبتقدير المفضول عليه -أيضا-، لأن القرآن الكريم يشترك في الهداية مع الكتب السّماوية الأخرى، ولكنه يزيد عليها بإعجازه وبلاغته وأساليب إرشاده ومواعظه وتفاريع أحكامه وتشريعاته، لا تضاهيه في ذلك الكتب الأخرى، وهو كما قال تعالى في شأنه بعد ذكر التّوراة والإنجيل في سورة المائدة: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (48).
وفي هذا الوصف تحريض للمسلمين لاتباع هدي كتابهم حتى لا يقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل وتطمين لهم بأنهم على النّهج السّوي.