نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٥٨{وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقُسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً):
والوصية الثّانية عشرة والثّالثة عشرة: تضمنتا أمرين متكاملين، وهما إيفاء الكيل، والوزن بالعدل. وزيد قوله تعالى في الأولى: {إِذَا كِلْتُمْ) لإفادة تجدّد ما تضمنه الأمر من إيفاء الكيل. وإيفاء الكيل والوزن هما من الوفاء بالعهود، وخصّا بالأمر نظرا لشدة الحاجة إليهما في معاوضات البيع والشّراء، وهي تقوم كلها على السّماحة والوفاء ونبذ الغش والتّطفيف والتّزوير، والرّسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المؤمن سمح إذا باع، سمح إذا اشترى، سمح إذا اقتضى».(1) وقد ركز القرآن على إيفاء الكيل والعدل في الوزن وتوعّد المطففين بالحساب العسير وجعل من أصحاب مدين وقصّتهم مع شعيب عليه السلام جعل منهم عبرة لأولي الألباب.
وقوله: {وَزِنُواْ بِالْقُسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)، الباء للملابسة، والقسطاس اسم للميزان، والمستقيم بمعنى السّويّ، وهي في معنى قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ) (الرحمن:9). فالعدل في الوزن هو أن يقوم بآلة سوية ما تبخس النّاس أشياءهم، ولذلك تقوم الحكومات منذ الأزمنة الغابرة بمراقبة المكاييل والموازين وتسلط أقسى العقوبات على الخائنين المدلسين.
{ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً): الإشارة إلى المذكور من الكيل والوزن. و"خَيْرٌ" للتفضيل، أي: هو خير لكم من التّطفيف، إذ تجنون ثقة النّاس في التّعامل معكم وتحصلون على ثواب امتثال أمر الله في الآخرة عندما ترجعون إليه في حسن مآل.
(1) 1 - رواه الترمذي بلفظ قريب من حديث جابر بن عبد الله، كتاب (13) الأحكام، باب (76) ما جاء في سمح البيع والشراء والقضاء، رقم 1320. ولفظه: «غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلا إذا باع، سهلا إذا اشترى، سهلا إذا اقتضى».