نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٦١ويأتي هذا الإرشاد في التّرتيب الخامس عشر، وتترتب العجرفة والكبرياء عن الفراغ الرّوحي من العقيدة الصّحيحة حين يخلو القلب من الشّعور بجبروت الخالق وكبريائه، فيقتّر الإنسان بما عنده من مال أو جاه وسلطان، وينسى في غمرة زهوه منة الخالق المنعم. ولكن الله يقابل ذلك التّطاول الفارغ بأسلوب تصويري تهكّمي فيقول: {اِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الاَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)، فالمتكبّر مهما علا وانتفخ فإنه لا يستطيع أن يخرق أديم الأرض بمشيه ولا يبلغ بتطاوله طول الجبال. فهو قزم حقير أمام قوة الله وعظمته الماثلة في تلك المخلوقات الضّخمة. فإن التّواضع زين لصاحبه ورفع من قدره. وجاء في الحديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».(1)
وقد وصف الصّحابة مشية رسول الله -وهو المثل الأعلى للتّواضع- فقالوا عنه: "إنه عليه السلامإذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفّؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما يخط من صبب".
وجاء في وصية لقمان قوله تعالى:
أ) - {وَلاَ تُصَاعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الاَرْضِ مَرَحاً اِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان:18).
ب) - وفي وصف عباد الرّحمن قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً) (الفرقان:63).
ثم لخّص الله كل ما تقدم من تلك الأوامر والنّواهي ابتداء من قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلآَّ إِيَّاهُ) (الإسراء:23)، على اعتبار أن المأمور بالشّيء هو نهي عن ضدّه، ولذلك جاء الوصف لها بالسّيئة والمكروه فقال تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَةً عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً).
(1) 1 - رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، كتاب (1) الإيمان، باب (39) تحريم الكبر وبيانه، رقم 147.