نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٨٣

يحتمل أن يكون الخطاب للمؤمنين على وجه التّمثيل لما يقولونه للمشركين من التي هي أحسن، أي قولوا لهم: ربكم أعلم بكم إلخ. وذلك لأن الرّسول كان يتأذى بما يقوله المشركون -كما تقدم غير ما مرّة-، فوجّه هذا الكلام إليه تسلية له، وأعقبه تعالى بقوله خطابا له: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً)، أي ليس لك أن يتبعوك فيرحمهم الله أو يعصوك فيعذبهم، بل أرسلناك مبشرا ونذيرا، وما عليك إلا البلاغ، وليس في هذا العتاب إنقاصا من قدر رسول الله بقدر ما هو عتاب لطيف في صالحه إشفاقا عليه ورحمة به.

ويحتمل أن لا يكون هذا الخطاب تمثيلا، بل هو خطاب مستأنف للمؤمنين تمحيصا لهم في ما هم عليه من تحمل الأذى وهم في مرحلة الإعداد بمكة لا يستطيعون الدّفاع عن أنفسهم، وكلما شكوا إلى رسول الله من ذلك واقترحوا عليه الرّدّ كان يقول لهم: لم أؤمر، لم أؤمر.

{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً):

فقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبيِئِينَ عَلَى بَعْضٍ) يدلّ على أن الغرض من هذه الآية هو معالجة بعض شؤون رسول الله، ولما كان تدبيره تعالى شاملا لشؤون ملكه الواسع في السّماوات والأرض فقد مهّد لذلك بكون علمه تعالى لا يقتصر على رسوله محمد وأمته بل هو علم شامل مطلق، وبمقتضاه يقسّم الأرزاق والمواهب والحظوظ بين عباده، كلّ على قدر استعداده. وهو القائل: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14).

ومن تلك الحظوظ اختيار من يريد لنبوءته، فهي من الأمور القهرية التي لا اختيار لعباده فيها: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ) (الحج:75).

٢٬٩٣٢ / ٦٬٢٠١