نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٠٢{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ): مَثَلَ: مفعول لـ"اضرب". كَمَآءٍ: إمّا أن يكون مفعولا ثانيا، أو هو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي كماء. {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ): الهشيم: هو النّبات اليابس المتكسّر، تفرّقه وتنثره الرّياح. {زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): الزّينة: ما يتزيّن به من حليّ ومتاع. {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ): صفة لموصوف محذوف تقديره: الأعمال الباقيات الصّالحة. وهي كلّ عمل في العبادة والبرّ، وكل قول طيّب. ومنها ما بيّنه الرّسول بأنها قول المؤمن: "سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
ج) - البيان والتّفسير:
إكمالا للتوجيهات الإلهية وزيادة تثبيت للرسول - صلى الله عليه وسلم - في ملازمة الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ، مع ما توحي به قصة الرّجلين مع الجنتين، مما يجسّد واقع المشركين في انهماكهم وإقبالهم على زينة الدّنيا، في ختام ذاك العرض الشّيق يأتي هذا المثل المضروب للحياة الدّنيا بصفة أعمّ يغطّي الأرض وما عليها، ليقرّر الله بعده القيم الحقيقية للحياة وما بعدها فقال جلّ من قائل: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ اَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً).
نحن بأزاء صورة تمثيلية رائعة منتزعة من متعدّد، تتحرك فيها كثير من الأشياء لتبلور حقيقة وجودية هي طابع الحياة الدّنيا في سرعة الفناء والزّوال، غير أن كثيرا من النّاس يغفلون عنها مبهورين بتلك الزّينة الظّاهرية. وكان مشركو مكة على تلك الحالة من الانهماك والغرور بمفاتن الدّنيا، فكذّبوا بوحدانية الله وقالوا ساخرين:
أ) - {اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص:5).