نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٢٢٤

ولا يتعارض هذا الحكم مع التّعليل الذي عقّب به ذلك النّسيان وذلك الإعراض إذ يقول تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنَّةً اَنْ يَّفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً)؛ ذلك لأنّ الله تعالى يجيء حكمه وقضاؤه على مقتضى اختيار الإنسان وقابليته للهدى والضّلال، فجعل الكنّ على القلب والوقر على السّمع هو على التّعبير المجازي للدّلالة على الاستغلاق الكليّ لأولئك المتكبرين الجاحدين كما وصفهم الله تعالى إذ قال: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) (البقرة:18). وقد جعل الله العلاقة وطيدة بين تلك الجوارح إيجابا وسلبا، والقلب هو مستودع المشاعر والأحاسيس إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله كما ورد في الحديث.

{وَإِن تَدْعُهُمُ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَّهْتَدُواْ إِذاً اَبَدًا): الخطاب لرسول الله ينفي الله فيها هداية القوم مهما اجتهد الرّسول في التّذكير والنّصح، فرّع الله ذلك النّفي المؤكّد، فلا مطمع في إيمانهم بعد أن أوضح الله الأسباب وأغلق الأبواب، ولكنه على ذلك غفور رحيم يمهل ولا يهمل.

استهلت الجملة بما يناسب خصوصية الخالق من الحلم والرّحمة، استهلت بصفة الرّبوبية المضافة إلى رسول الله تشريفا وتسلية له لما يتصف هو الآخر به من الإشفاق على أولئك الطّغاة من قومه. فمن رحمته تعالى بهم أن لا يعاجلهم بعذاب الاستئصال، بل يستدرجهم ويملي لهم لمراجعة أمرهم، فهم وإن لم تقدر لهم التّوبة والإنابة مع الإمهال، فإنّ لهم موعدا لن يفلتوه إذا حلّ ولن يجدوا ملاذا يقيهم منه. وهكذا تجمع الآية الكريمة بين التّرهيب والتّرغيب والوعد والوعيد.

٣٬٠٧٣ / ٦٬٢٠١