نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٢٨٣

ولكن الإمام الفخر الرّازي يردّ على ذلك بقوة فيقول: "لا يجوز من الله تعالى أن يودع كتابه ما لا تدلّ عليه اللّغة، لا بالحقيقة ولا بالمجاز؛ لأنّه إن جوّزنا ذلك فتح علينا قول من يزعم أنّ لكلّ ظاهر باطنا. واللّغة لا تدلّ على ما ذكروه. فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرّسول صلى الله عليه وسلم أو الملائكة أو الجنة أو النّار، فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكما لا تدل عليه اللّغة أصلا".(1)

{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ’ زَكَرِيَّآءَ، اِذْ نَادَى رَبَّهُ’ نِدَآءً خَفِيّاً): ترد في إعراب كلمة: {ذِكْرُ) أوجه كثيرة. ولعلّ أنسبها أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، والتّقدير: هذا ذكر رحمة ربّك عبده. وبما أنّ الجملة يرد فيها خطاب لرسول الله في كلمة: {رَبِّكَ) فتكون بمعنى "اذكر". والذّكر يرد بمعان كثيرة -أيضا- منها: الإخبار بشيء، ومزج ذلك الإخبار برحمة الله النّديّة لعبده زكرياء فيه تنويه بشأن الرّسولين الكريمين محمد وزكرياء، فكلاهما قد غمرته رحمة الله، ولكلّ منهما رحمة خاصّة به تؤيده في أداء مهمته. وقد تجلّت رحمة الله على زكرياء حين نادى ربّه مناجيا إياه بعيدا عن أعين النّاس؛ لأنّ ذلك أدعى إلى الإخلاص، ولأنّ طلبه من الله كان للولد، وهو في سنّ الشّيخوخة، فيكون ذلك مثارا للملامة في مألوف النّاس. فتجلت رحمة الله في استجابة دعائه بإعطائه الولد. ومَنْ غيرُ الله تكون له القدرة الطّليقة التي لا تتقيد بالأسباب المألوفة؟. فهذا زكرياء الشّيخ الواهي تشاركه هموم الحياة زوج عقيم، يبث شكواه إلى ربّه في نداء خفيّ ضارع. وهل للمكروب المعنّى من متنفّس غير الدّعاء الخاشع إلى الله وهو يسمع ويرى، وهو وحده القادر على تخطي الأسباب، ليستجيب لعبده ويفتح له مغاليق الأبواب؟.

(1) 2 - الفخر الرازي، التّفسير الكبير: 11/ 179.

٣٬١٣٢ / ٦٬٢٠١