نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٢٩٦

قالت ذلك له بدافع طهرها وعفافها، إذ كانت تظنّ أنّه يريدها بسوء. فعلى الرّغم من وسامة ذلك الفتى الملك أمامها، وقد أصبحت في خلوة معه، لم تلاطفه في الحديث ولم تظهر إعجابا به بدافع الغريزة الأنثوية، ولكنها تعوّذت منه قبل أن يبادئها بالكلام، فقد التجأت إلى الله بصفته الرّحمانية، ليدفع عنها شرّ ذلك الطّارئ برحمته.

وقولها: {إِن كُنتَ تَقِيّاً) هو تذكير بالتّقوى؛ لأنّ المؤمن التقي هو الذي تأخذه الخشية من الله إذا ذكّر به، وبالتّالي فهو يقدّر للاستعاذة بالله قدرها. ولذلك جاءت إجابة الملك مناسبة لحالة مريم النّفسية وهي تلوذ بحمى الله فقال: {قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً).

نلاحظ ذلك التّلطّف والإيناس في قول الملك لها: {إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ)، فالتّعبير بالقصر لدفع وهمها أنه بشر، ثم كونه رسولا من ربها هو لإفادة الرّعاية الرّبانية لها، وصونها من كل سوء.

وقوله: {لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً)، فعلى قراءة {لأَهَبَ) بالهمزة يكون إسناد الهبة إلى نفسه مجازا؛ لأنّ الواهب هو الله تعالى كما تدلّ عليه قراءة: "ليهب" بياء الغائب. وكونها هبة من الله؛ لأنها لم تجر على سنة الله في الخلق بالزّوجية الذّكر والأنثى. والموهوب لمريم هو ذلك الغلام الزّكيّ الطّاهر عيسى عليه السلام. وعلى ما كان يكتنف ذلك الموقف من الحياء والحشمة من طرف "مريم" لم تتهيّب أن تحاور الملك في تعجّب واستفسار كيف يمكن أن يكون ذلك الأمر: {قَالَتَ اَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمَ اَكُ بَغِيّاً).

٣٬١٤٥ / ٦٬٢٠١