نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٠٥

جاء الأمر بالأكل والشّرب اتّباعا لعادة الإنسان في الأكل أولا، ثم الشّرب خلاله أو بعده. وقرة العين كناية عن السّرور البالغ، أي أن الله العليّ القدير كما منحها قوام الحياة من طعام وماء فقد منحها إلى جانب ذلك السّكينة وطمأنينة النّفس فلا تتأذّى بكلام النّاس. بل تأنس بطفلها لما سيكون له من شأن ومنزلة عند الله والنّاس.

{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنُ اكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً):

هل هذا الكلام هو من بقية ما ناداها به الوليد أم هو كلام لها من الله؟. يقول الإمام ابن عاشور: "هذا من بقية ما ناداها به عيسى، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطّفل، تلقينا من الله لمريم وإرشادا لقطع المراجعة مع من يريد مجادلتها، فعلّمها أن تنذر صوما يقاربه انقطاع عن الكلام، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السّائلين ومجادلة الجهلة".(1)

قلت: وخير الجواب السّكوت -أحيانا-، ويظهر هنا أن سكوتها كان عن إرادة منها، كما يظهر من التّعبير أنها جمعت بين عبادتين، بين الصّوم، أي الإمساك عن الطّعام والشّراب مع النّذر بالصّمت. يقول القطب في هذا المعنى: "وكانوا إذا أرادوا التّقرب إلى الله تعالى لم يتكلموا يومهم أو إلى العشيّ ولو بلا صوم، ويعدّون ذلك عبادة عظيمة، وكانوا لا يتكلمون في صيامهم، ونسخ في شرعنا. فمن نذره لم يجز الوفاء به، دخل الصّديق على امرأة نذرت ألا تتكلم فقال: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي".

ثم علق على هذا الكلام فقال: "وتبادر إلى الأفهام أنها نذرت الصّوم من قبل لأمر الله - عز وجل - وأنه أباح الله أن تتكلم بهذا الإخبار، ثم لا تتكلم أو أن تخبر بالإشارة"(2)

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 16/ 89 - 90.

(2) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التّفسير: 9/ 34 - 35.

٣٬١٥٤ / ٦٬٢٠١