نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣١٣

{فَاخْتَلَفَ الاَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ): وعلى وضوح قضيّة عيسى بن مريم وخطّها المستقيم، فإنّ الأحزاب قد سلكوا بُنَيّات الطّريق وحادوا عن الحقّ الذي جاءهم فاختلفوا في شأن عيسى ما بين إفراط وتفريط فمنهم من تردّى به إلى جعله ولد زنى كاليهود، ومنهم من رفعه إلى مصاف الألوهية كالنّصارى، ثم تشعّب اختلافهم إلى عدّة فرق، فأتباعه المؤمنون به لم يتّفقوا على موقف منه في شأنه رغم تعدّد مجامعهم من أجل ذلك من قديم الزّمان، وأشهر فرقهم اليوم هي: الكاثوليك، والأرثودكس، والبروتستانت. وكلّها تصدر في معتقدها بعيسى وبنوّته لله عن خطأ وسوء فهم، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. والله تعالى قد أدرجهم في عداد الذين كفروا وهدّدهم من مشهد يوم عظيم، وهو يوم القيامة عندما تكشف السّرائر وتشهد الخلائق كلّها كيف تعذّب طوائف منها على مرأى ومسمع إذ يقول المولى تبارك وتعالى: {اَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَاتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ).

تدل صيغتا التّعجّب في: {اَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) على فرط التّهديد لهؤلاء كيف تكون أبصارهم حادّة، وآذانهم مرهفة في ذلك اليوم، وقد كانوا من قبل لا يسمعون لآيات الله ولا يبصرونها وهم يملكون الإرادة عليها في الدّنيا، ولكنّهم أصرّوا على ذلك حتى الممات. وهاهم اليوم في أشدّ الضّلال بما ظلموا أنفسهم وهم في ذلك الموقف يشهدون على أنفسهم في ذلّة ومهانة بأنّهم أبصروا وسمعوا إذ يقول الحق تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا) (السّجدة:12).

٣٬١٦٢ / ٦٬٢٠١