نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٣٤

تقع الآيتان 64 و65 بعد ذكر بعض اللّقطات من حياة رسل الله وأنبيائه الكرام وما أحدثه الخلف من بعدهم، وقد أخذ ذلك حيزّا كبيرا من السّورة، يعقبها بعد ذلك الموضوع الرّئيسي الذي يعالج حال المدعوّين إلى الإسلام، ويركّز على أسس العقيدة كبقية السّور المكيّة، فتأتي هاتان الآيتان لتعالجا قضية طرحها رسول الله على جبريل عليه السلام إذ قال له عندما استبطأ نزول الوحي عليه: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟»، فأنزل الله تعالى قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ’ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً).(1)

ويروى في سبب النّزول عن ابن عباس أنّ قريشا لما سألوه عن أصحاب الكهف مكث خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيا، فلما نزل جبريل، قال له: أبطأت، فأنزل الله هذه الآية.

والتّنزّل: تكلّف النّزول -ويكون على مهل-، والضّمير يعود إلى جبريل والملائكة. وقد أمر الله جبريل أن يقول ذلك لرسول الله جوابا عنه، وعلى ذلك يقدّر فعل "قل" فيكون العطف لقصّة على قصة. والملائكة كما قال الله عنهم: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لاَ يَسْبِقُونَهُ’ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء: 26 - 27). فلا يتصرّف أحدهم في أمر من أمور الكون إلا بأمر الله، كما قال الله عنهم في سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) (4). وأوامر الله لملائكته لا يوجّهها إليهم إلا في أوقات محدّدة وبكيفيات مقدّرة وفق مشيئته تعالى، فسيّدنا جبريل عليه السلام -وهو أمين الوحي- كان يتمثل رجلا فيكلّم رسول الله فيعي ما يقول.

(1) 1 - رواه البخاري من حديث ابن عباس، كتاب (65) التفسير، (19) سورة كهيعص، باب (2) قوله تعالى: ﴿وما نتزل إلا بأمر ربك﴾، رقم 4731.

٣٬١٨٣ / ٦٬٢٠١